عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
190
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 20 إلى 27 ] وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( 20 ) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 21 ) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 22 ) أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ( 23 ) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ( 25 ) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ( 27 ) قوله : « وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى » في تعلقه بما قبله وجهان : أحدهما : أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث أمن بهم الرجل الساعي . وعلى هذا فقوله : « مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ » فيه بلاغة باهرة لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل و ( هو ) قد آمن دل على ( أن ) « 1 » إنذارهم وإبلاغهم بلغ إلى أقصى المدينة . والثاني : أن ضرب المثل لما كان لتسلية قلب « 2 » محمد - عليه ( الصلاة و ) السلام - ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعي المؤمنين في تصديق أنبيائهم ، وصبرهم « 3 » على ما أوذوا ، ووصول الجزاء « 4 » الأوفر إليهم ليكون ذلك تسلية لقلب أصحاب محمد - عليه الصلاة والسلام - « 5 » . قوله : « رَجُلٌ يَسْعى » في تنكير « الرجل » مع أنه كان معروفا معلوما عند اللّه فائدتان : الأولى : أن يكون تعظيما ( لشأنه ) « 6 » أي رجل كامل في الرجولية . الثانية : أن يكون مفيدا ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا معرفة لهم به ، فلا يقال : إنهم تواطئوا . والرجل هو حبيب النّجار كان ينحت الأصنام . وقال السدي : كان قصارا . وقال وهب : كان يعمل الحرير وكان سقيما قد أسرع فيه الجذام . وكان منزله عند أقصى باب المدينة « 7 » وكان مؤمنا آمن بمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - « 8 » قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب « 9 » اللّه ، ورأى فيه نعت « 10 » محمد وبعثته وقوله : « يسعى » تبصير للمسلمين وهداية لهم ليبذلوا جهدهم في النّصح . قوله : « قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ » تقدم الكلام في فائدة قوله : « يا قَوْمِ » « 11 » عند
--> ( 1 ) ما بين الأقواس زيادة من « أ » وسقوط من « ب » . ( 2 ) في « ب » ملة بدل قلب . ( 3 ) في « ب » وصبروا . ( 4 ) في « ب » الخبر دون الجزاء وهو تحريف . ( 5 ) في « ب » صلى اللّه عليه وسلم . ( 6 ) سقطت من « ب » . ( 7 ) في « ب » في المدينة . ( 8 ) في « ب » عليه الصلاة والسلام . ( 9 ) في « ب » لكتاب اللّه باللام . ( 10 ) في « ب » قلب بدل نعت . ( 11 ) قال هناك في الفائدة بقوله : « يا قوم » أنه ينبئ عن إشفاق عليهم وشفقة فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله : « يا قوم » يفيد أنه لا يريد بهم إلّا خيرا . وانظر اللباب 1 / 60 « ب » .